السيد محمد باقر الصدر
75
فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 )
الإدراكات والمعلومات التي نستذكرها فنثيرها من جديد بعد أن كانت كامنة وموجودة بالقوّة . والنظرية العقلية على ضوء هذا التفسير لا يمكن أن تردّ بالبرهان الفلسفي أو الدليل العلمي السابق ذكرهما . 3 - النظرية الحسّية : وهي النظرية القائلة : إنّ الإحساس هو المموِّن الوحيد للذهن البشري بالتصوّرات والمعاني ، والقوّة الذهنية هي القوّة العاكسة للإحساسات المختلفة في الذهن . فنحن حين نحسّ بالشيء نستطيع أن نتصوّره - أي : أن نأخذ صورة عنه في ذهننا - وأمّا المعاني التي لا يمتدّ إليها الحسّ فلا يمكن للنفس ابتداعها وابتكارها ذاتياً وبصورة مستقلّة . وليس للذهن بناءً على هذه النظرية إلّاالتصرّف في صور المعاني المحسوسة ، وذلك بالتركيب والتجزئة : بأن يركّب بين تلك الصور أو يجزّئ الواحدة منها ، فيتصوّر جبلًا من ذهب أو يجزّئ الشجرة التي أدركها إلى قطع وأجزاء . أو بالتجريد والتعميم : بأن يفرز خصائص الصورة ويجرّدها عن صفاتها الخاصّة ؛ ليصوغ منها معنىً كلّياً ، كما إذا تصوّر زيداً وأسقط من الحساب كلّ ما يمتاز به عن عمرو ؛ فإنّ الذهن بعملية الطرح هذه يستبقي معنىً مجرّداً يصدق على زيد وعمرو معاً . ولعلّ المبشّر الأوّل بهذه النظرية الحسّية هو ( جون لوك ) الفيلسوف الانكليزي الكبير الذي بزغ في عصر فلسفي زاخر بمفاهيم ( ديكارت ) عن الأفكار الفطرية ، فبدأ في تفنيد تلك المفاهيم ، ووضع لأجل ذلك دراسة مفصّلة للمعرفة الإنسانية في كتابه ( مقالة في التفكير الإنساني ) ، وحاول في هذا الكتاب